الرئيسيةالرئيسية  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : زائرنا الكريم مرحبا بك بين إخوانك في منتديات تبسة الإسلامية ، بعد التسجيل ستجد رسالة تأكيد التسجيل في بريدكم ، نرجوا لكم قضاء وقت مفيد ومريح في هذا الفضاء التربوي العلمي .


آخر المواضيع
الموضوع
تاريخ ارسال المشاركة
بواسطة
مرحبا بكم أيها الأحباب من جديد ..
من بريد المنتدى ذات يوم ...
كتاب الانتصار للنبي المختار ﷺ (يصور لأول مرة) المؤلف: د.سليمان بن صفية الجزائري
رحم الله الشيخ علي الحلبي ..
بشرى صدور موقع جديد للشيخ أبو يزيد المدني (سليم بن صفية)
حذروا من صناعة المعاقين في بيوتكم
‏الرفقة الدافئة
يا طالب العلم البشرية كلها بحاجة إليك.
قصة قصيرة جملية
حكمة وعبرة ✍
الخميس 29 ديسمبر 2022 - 11:57
الخميس 29 ديسمبر 2022 - 9:20
الإثنين 28 ديسمبر 2020 - 15:30
الخميس 3 ديسمبر 2020 - 18:36
الأربعاء 22 يناير 2020 - 18:36
الجمعة 21 ديسمبر 2018 - 20:08
الخميس 20 ديسمبر 2018 - 12:28
الإثنين 17 ديسمبر 2018 - 13:30
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 21:09
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 20:11











شاطر
 

 التحذيــــر من الغلوّ في الدين

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد مرباح الوهراني

محمد مرباح الوهراني

عدد الرسائل :
17

تاريخ التسجيل :
03/12/2009


التحذيــــر من الغلوّ في الدين Empty
مُساهمةموضوع: التحذيــــر من الغلوّ في الدين   التحذيــــر من الغلوّ في الدين I_icon_minitimeالخميس 3 ديسمبر 2009 - 13:47

التحذيــــر من الغلوّ في الدين

للشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
-حفظه الله تعالى-
مع تعليق سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
[شريط مفرغ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح والقلب الخاشع والدعاء المسموع، أعوذ بالله أن نزل أو نزل أو نضل أو نضل أو نجهل أو يجهل علينا.
وهذه المحاضرة بعنوان:
التحذير من الغلو في الدين
ومن المعلوم أن الله جل جلاله رحيم بعباده عظيم الرحمة رؤوف بهم، كبير الرأفة عظيمُها، ولهذا جعل هذا الدين يسرى، وما أنزل القرآن ليشقى به العباد، قال جل وعلا ?طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى?[طه:1-2] قال المفسرون: قوله ?مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى? يعني لم يكن إنزال القرآن لعلة أن يشقيك ذلك؛ بل لعلة أن يسعدك؛ لأن القرآن يسر ولأن يدعو لليسرى، كما قال جل وعلا في الآية الأخرى ?وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى?[الأعلى:8] قال المفسرون أيضا: يعني نيسرك للطريق والسنة التي هي أيسر وأحب وأبعد عن التكليف، ولهذا يعني التكليف بما لا يطاق، ولهذا قال الله جل وعلا في خواتيم سورة البقرة ?رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ?[البقرة:286]، ولما دعا المؤمنون بهذا قال الله جل وعلا: «قد فعلت». كما رواه مسلم في الصحيح، فهذا الدين مبني على التيسير كما ثبت في الصحيح أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «إنّ هذا الدين يُسر ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه» وهذا يعني أن الدين الذي أنزله الله جل وعلا ورضيه لعباده وقام به المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولا وعملا وظهرت سنته فيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أنّ هذا الدين الذي كان عليه المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسر وسعادة وراحة وطمأنينة، ولن يشادّه أحد إلا غَلبه.
وهذا من بشائر الخير ومما يجلب غير المسلم للدخول في الدين؛ لأن الديانات فيما قبل بنيت على كثير من التكاليف، ودين الإسلام ولله الحمد والمنة والفضل والرحمة جاء يسيرا وميسرا سهلا، وقد جاء في الحديث «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبث لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» من حديث جابر بن عبد الله وهو حسن بمجموع طرقه.
وإذا تبين هذا وأن ديننا بُني على اليسر وبُني على السماحة يعني السماحة التي كان عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبين لنا كيف جعل الله جل وعلا هذه الأمة عدلا خيارا، جعلها عدلا في شهادتها على الأقوال، وجعلها خيارا، يعني أنها أحسن الأمم كما قال جل وعلا ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا?[البقرة:143]، وجعل الله هذه الأمة أمة وسطا ومعنى كونها وسطا أي أنها عدل خيار؛ لأن الوسط هو العدل وهو الخيار المصطفى؛ لأن العرب كانت تمتدح الشيء بكونه واسطة الشيء وبكونه وسطه؛ لأنه أحسنه وأفضله، فجعل الله هذه الأمة أمة وسطا لم؟ ?لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا? وقد جاء في صحيح أبي عبد الله عند تفسير هذه الآية أن الناس يوم القيامة يأتون فيقيم الله جل وعلا الحجة، فيأتي إلى قوم نوح فيقول لهم: قد جاءتكم الحجة وجاءكم النذير. فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول الله جل وعلا: عليكم شهود هذه أمة محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ. فتأتي الأمة فتقول: نعم قد جاءهم نوح بالبينات. أو كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
وهذا فيه بيان أن هذه الأمة بعلمائها وفقهائها ومن عَقِلَ الدين عن المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها شاهدة على الناس، ولا يزال في هذه الأمة طائفة ظاهرة بالحق كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم: ظهور هذه الطائفة:
* إما أن يكون ظهورا بالسيف والسنان.
* وإما أن يكون ظهورا بالحجة البيان.
فلابد أن يكون في هذه الأمة طائفة ظاهرة بالحق إما أن يكون ظهورها على غيرها من الأمم بالسنان وأنها تكون هي القوية وهي الغالبة المنتصرة، وإما أن يكون ظهورها بما هو أعظم بالحجة والبيان؛ لأن ظهور السيف والسنان كان بعد ظهور الحجة والبيان، ألم تر العهد المدني بعد العهد المكي.
إذا تبين ذلك فإن مُقتضى كونه هذه الأمة وسطا أن يكون هناك طرفان طرف يجفو طرف يفرط وطرف آخر يغلو ويسرف.
فلهذا كانت الأقسام أقسام الناس ثلاثة:
وسط وهم الخيار الذين اتبعوا المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه وأهل العلم الراسخين.
وطرف يجفو وهم أهل الجفاء يعني الذين فرّطوا في أوامر الله، فلم يتبعوا أمكر الله وارتكبوا منهياته، ولم يرفعوا رأسا في كل أوامره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وما جاء في القرآن العظيم.
والطرف الآخر هو الذي يغلو وهم الذين غلوا؛ تجاوزا الحد، لأن معنى الغلو مجاوزة الحد في تحقيق الشيء، أو فيما يوصل إليه.
فغلا بمعنى جاوز الحد، تقول مثلا غلا السعر يعني جاوز المعقول وجاوز المعروف، غلا هذا في أمره يعني جاوز الحد الذي أُذن له به، فهؤلاء غلو في الدين يعني جازوا الحد الذي أذن لهم به، فلم يكونوا مع الأمة الوسط العدل الخيار، وإنما زادوا عليهم رغبة في التعبد ورغبة في رضى الله جل وعلا؛ لكن ليس كل من أراد رضى الله جل وعلا يحصل عليه حتى يأتي بالبرهان وهو اتباع المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قليل الأمر وكثيره من جهة تحكيمه على الهوى، وعلى ما تريده النفس قال جل وعلا ?قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ?[آل عمران:31].
بهذا جاء في القرآن النهي عن الغلو والنهي عن الطغيان فقال جل وعلا مخاطبا أهل الكتاب ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ?[النساء:171] الآية في آخر سورة النساء.
وقال جل وعلا أيضا في سورة المائدة ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ?[المائدة:77]، وقال جل وعلا ?فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ?[هود:112] والآيات في هذا المعنى متعددة.
فدلت الآيات على أن الطغيان ومجاوزة الحد والغلو منهي عنه قال جل وعلا لأهل الكتاب ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ?، ومعلوم أن القاعدة المقررة أن النهي لأهل الكتاب في هذا نهي لنا؛ لأن الغلو في الدين أمر مذموم لكل من اتبع رسالة من رسالات أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه.
فدلنا قوله جل وعلا ?لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ? على أنّ الغلو في الدين محرم؛ لأن النهي للتحريم، بل هو من أشدّ المحرمات لأنه يبعث على ارتكاب كثير من المحرمات وهو وسيلة لآثار ومحرمات كثيرة قال جل وعلا ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ? بما غَلاَ أهل الكتاب في دينهم؟ جعلوا عيسى عليه السلام ابنا لله، جعلوا له بعض خصائص الألوهية، كما جاء في الصحيح أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله» يعني لا تجاوزا الحد في مدح كما تجاوز النصارى الحد في مدح عيسى، فبلغ بهم الحد أن عبدوه وألهوه، ولكن قولوا عبد الله ورسله وما أعظمها من مكانة أن يكون رسوا لله جل جلاله.
إذا تبين ذلك فإن هذه الأمة نُهيت عن الغلو وخاف عليها المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكون فيهم الغلاة، فلما كان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في حجة الوداع أمر من يلقط له الحصى وقال «بمثل هذه فارموا وإياكم والغلو فإنما أهلكم من كان قبلكم الغلو» حديث صحيح قال (بمثل هذه فارموا وإياكم والغلو) حتى في حجم الحصاة الجمار الذي يرمى بها قال (إياكم والغلو) يعني لا تضنن أن الخير والتعبد والقربة من الله وكثرة الحسنات يكون في تكبير الحصاة، فإنما بمثل هذه فارمِ وإياك أن تغلو في دين الله لهذا خاف النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على الأمة الغلو والسبب قوله (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو).
فالغلو سبب من أسباب الافتراق، وسبب من أسباب ضرب الأمة بعضها رقاب بعض، وسبب من أسباب الافتراق الوخيم.
ومن القواعد المقرة ما قاله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ الجماعة رحمة والفرقة عذاب، لهذا كان أوائل الغلو في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فكان رجل مرة بين يدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يقسم بعض المال فقال له ذاك الرجل: يا رسول الله اعدل يا رسول الله اعدل. يعني في قسم المال قال «ويحك من يعدل إذا لم أعدل يخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» يعني أن الغلو كان عند هذا الرجل، وكذا من آثار غلوه أنه سيتّبعه أقوام على غلوه، قال (يخرج من ضئضئ هذا أقوام) يعني جماعة يتبعونه فيما يقول أو فيما يفهم قال (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) الحديث.
كذلك حكاية الثلاثة من الصحابة الذين أرادوا التعبد، فسألوا عن عبادة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروا بها أنه كان يتزوج النساء، وأنه كان يقوم بعض الليل وينام بعضه، وأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان يأكل اللحم، فقالوا: أين نحن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. قال الراوي: فلما أخبروا بها كأنهم تقالّوها يعني قالوا: نحن ما خلقنا إلا لعبادة الله، هذه عبادة قليلة. فقال أحدهم: أنا لا أتجوز النساء. وقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر. وقال أحدهم: أنا أقوم الليل ولا أنام. فلما أُخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقولهم غضب عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فقال «أنا أخشاكم لله وأتقاكم لله، وإني أنام وأقوم، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه، هذا من جهة العبادات.
بعد وفاة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حصلت في الأمة أنواع من الاضطرابات والخلافات خاصة في أواخر عهد عثمان رضي الله عنه ثم في عهد علي رضي الله عنه حتى بدأت فتنة الخوارج، وكان سبب بدايتها مسألة التحكيم حيث دعا علي رضي الله عنه ومعاوية جميعا أن يختار من يحكم في القضية من ذوي العلم والفهم، فدعا إلى التحكيم، فانفصلت فرقة من جيش علي وسموا بالخوارج قالوا: كيف يحكم الرجال في دين الله، لِم لا يحكم القرآن والله جل وعلا يقول ? وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?[المائدة:44]، فخرجوا على علي رضي الله عنه وكفروه وكفروا الصحابة معه لأجل مسألة التحكيم، فذهب إليهم ابن عباس رضي الله عنه وجادلتهم بالتي هي أحسن حتى رجع معه ثلث الجيش، في قصة معروفة.
فكان أول غلو في التكفير في الأمة غلو الخوارج، وقد وصف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخوارج بقوله «قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم لمن قتلهم أجرا عند الله جل وعلا».
فحصل غلو الخوارج في التكفير، كفروا الصحابة، لم؟ قال لأنهم لم يحكموا القرآن وحكموا الرجال، والله جل وعلا يقول ?إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ?(1) فلا حكم إلا الله جل وعلا.
فهذا مبدأ الغلو وكان من أسباب ظهوره اختلاف الوضع وحصول القتال بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
بعد ذلك حصل أيضا غلو آخر، وهذا الغلو جاء في إثبات الصفات، نظر قوم في صفات الله جل وعلا وقالوا القرآن فيه إثبات الصفات والسنة كذلك، فجاوزوا الحد في إثباتها حتى جعلوا صفات الرحمن جل وعلا دالة على التجسيم، فقالوا: إن الله جل وعلا جسم، وله وجه كوجه الإنسان، وله عينان كعيني الإنسان إلى آخره.
فغلو في الإثبات والإثبات مشروع، فزادوا فيه حتى جعلوا الإثبات تجسيما، والإثبات الحق الذي جاء في الكتاب والسنة على قاعدة ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ?[الشورى:11] إثبات بلا تجسيم وتنزيه للمولى جل وعلا عن النقص بلا تعطيل.
قابلهم فرقة أخرى غلت في ذلك فجعلت تنزيه الله جل وعلا شرط، وقالوا لا يصلح أن ننزه إلا بأن ننفي عنه الصفات، كما قاله الجهمية والمعتزلة، فغلوا في التنزيه مقابلة ببدعة المجسمة وغلوهم، فغلوا حتى قالوا إنه لا صفة للرحمن إلا صفة الوجود أو إلا ثلاث صفات إلى آخر ما هنالك.
فكان سبب غلوهم أنهم أرادوا تطبيق القرآن في أنه ينزه الله جل وعما لا يليق بجلاله وعظمته، فغلوا في إثبات ليس كمثله شيء، فجعلوا ذلك دليلا على أنه جل وعلا له صفة تعال الله عن قولهم علوا كبيرا.
أيضا نظرت طائفة في القدر فوجدوا أن القرآن أن القرآن فيه إثبات القدر فذهبوا إلى الجبر وأنّ الإنسان ليس بمخير أصلا وإنما هو كالريشة في مهب الريح؛ لأن الله جل وعلا هو الذي يخلق الأفعال وهو الذي يقدر الأشياء ومعنى القدر أنه سابق ومعنى أنه سابق -وهذا بحسب قولهم- أن الإنسان مجبور عليه.
والله جل وعلا قدر الأشياء وكتبها في اللوح المحفوظ ليظهر علمه في خليقته وأنه جل وعلا بكل شيء عليم، وأما الإنسان فهو مخير فيما هو مناط في التكليف، وهذا أمر معروف.
فغلو في إثبات القدر حتى جعلوا الإنسان مجبورا لا اختيار له .
أتى طائفة أيضا فأتوا بالغلو في التعبدات، قالوا: لا نصل إلى صفاء القلب وإلى تزكية القلب حتى ننقطع عن الناس بالكلية فخرجوا عن المدن وسكنوا بعض الأديرة وبعض الكهوف واعتزلوا، حتى ظهر بعض فترة لهم طريقة جديدة وهم الذين سُمّوا الصوفية أو ما أشبه ذلك لأجل اختلاطهم بالنصارى، غلوا في طلب التعبد فأتوا بتعبدات جديدة أتوا بألبسة جديدة ليس عليها هدى المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا هدي صحابته، وهم يريدون رفعة الدرجات عند الله جل وعلا، غلو في الانقطاع عن الناس، والرغبة في الخلوة في التعبد بالله جل وعلا، وتسخير القلب لأن يجتمع على ذكر الله وعلى التفكر في ملكوته فتركوا السنة في ذلك وخرجوا عمل أذن به فبلغ الغلو بهم أن أحدثوا طريقة جديدة في العبادات وفي الأذكار وأنواع التعبدات، فصاروا أهل فرق وأهل ضلالات كثيرة توسعت مع الزمن.
كل هذا قسم العقائد وقسم العبادات كان منشأ هذا الافتراق ومنشأ هذه الأمور وظهور هذه النحل والفرق، كان منشأه الغلو في الدين، ولو أخذوا بالسنة ولم يزيدوا عليها لما حصل هذا الافتراق العظيم ولما حصل هذا التضليل والتكفير في الأمة ولا بقيت في الأمة قلبا واحدا؛ ولكن هكذا اقتضت حكمة الرحمن الرحيم أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.
وهذا الذي خشي منه المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال «وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» ووقع هذا في هذه الأمة.
إذا نظرنا إلى أسباب ظهور الغلاة، وهذا مهم لابد أن ننظر إلى أسباب ظهور الغلاة حتى لا نقع فيما وقعوا فيه؛ لأن كلا منا يريد الخير ويريد التقرب إلى الله جل وعلا فإذا عرف أسباب ظهور أهل الغلو فإنه يجتنب تلك الأسباب ويأخذ بالحزم في دين الله حتى يُساق إلى نوع من الغلو من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر، فباب ظهور الغلو متعددة لكن نذكر منها أشياء بما يوافق مدة هذه المحاضرة.
فمن الأسباب عدم فهم القرآن على طريقة الصحابة رضوان الله عليهم، وأخذنا هذا من قول المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصف الخوارج وهو وصف عام لكل أهل البدع، قال «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» يعني أنه لا يجاوز كونهم يتلفظون به وآخر الأحرف خروجا من الحنجرة، فإذن لا يدخل إلى القلوب على وجهه الصحيح، ولو دخل إلى القلوب فإنه يدخل على فهمه الذي هو أخطؤوا فيه وظلوا فيه، وهذا لا يعني أن القرآن دخل إلى القلوب؛ لأن القرآن إذا دخل إلى القلب على حقيقته فإنه يهدي ?إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ?[الإسراء:9]، فحقيقة هذا السبب أن أولئك لم يتدبّروا القرآن التدبر الصحيح على فهم الصحابة رضوان الله عليهم؛ بل كما ظهرت الخوارج أن الصحابة قالوا لهم معنى ?وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?[المائدة:44] كذا، فأبوا، قالوا لهم معنى ? إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ?[الأنعام:57] كذا فأبوا.
فإذن ما أخذوا بفهم الصحابة في ذلك فأتوا من جهة عدم تدبرهم للقرآن، والله جل وعلا أمر عباده أن يتدبروا القرآن فقال سبحانه ?أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا?[محمد:24]؛ يعني أن من لم يتدبر القرآن التدبر الصحيح فإن على قلبه قفلا شاء من أبى حجزه عن تدبر القرآن التدبر الصحيح ?وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ?[الأنعام:25]، فهذا هو السبب الأول ترك تدبر القرآن التدبر الصحيح، والأخذ بما يعنّ لذهنه والفهم من غير تأهيلا لأن يكون مفسرا أو مستوعبا لمعاني القرآن، فيترك التدبر الصحيح ويأخذ بما يعن لذهنه مع عدم تأهله لذلك فلا يسأل أهل العلم عمّا أشكل عليه.
فإذن ترك فهم القرآن الفهم الصحيح، هذا من أسباب ظهور الغلو في هذه الأمة، والله جل وعلا ابتلى الأمة بذلك.
السبب الثاني وجود المتشابه في الكتاب والسنة فإن الله جل وجلاله، قال في أوائل سورة آل عمران ?هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا?[آل عمران:7]، قال جل وعلا ?هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ? فالقرآن منه محكم ومنه متشابه، معنى المحكم البيّن الواضح الذي يفهمه كل أحد، وهناك متشابه يشتبه معناه إلا على الراسخين في العلم، وخاصة في مسائل الغيبيات وفي مسائل الأحكام، فهذه يشتبه معناها إلا على من رسخ في العلم فيرد المتشابه إلى المحكم، فيتبين المعنى، فأهل الزيغ الذين وقع في قلوبهم الزيغ يذهبون إلى القرآن فيتبعون المتشابه ليُخرجوا الحجج لهم، وليس لهم حجة فيما ذهبوا إليه، فتأمل قول الحق جل جلاله ?فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ? فجع وجود الزيغ في القلب أولا، ثم جعل أن هؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه، فوجود الزيغ سبق، ثم بعد ذلك أولئك تتبعوا المتشابه ليبحثوا لهم عن حجة، وهذا خلاف التسليم لأمر الله جل جلاله، فالتسليم للأمر أن تأتي القرآن وليس في قلبك اعتقاد إلا ما دل عليه القرآن، أما أن يأتي بشيء في قلبه ثم يبحث في المتشابه من القرآن عن الحجة، فإنه قد يجد الحجة في القرآن بحسب فهمه على أشياء كثيرة:
النصارى احتجوا على خصوص بعثة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للعرب بقوله جل وعلا ?وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ?[الزخرف:44]، وبقوله جل وعلا ?وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ?[الشعراء:214]، فقالوا هذا دليل على أن الرسالة خاصة؛ لكن هذا فيه حجة ليس كذلك، أين قول الله جل وعلا ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ?[الأنبياء:107]، ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا?[سبأ:28] والآيات الأخر.
إذن فوجود المتشابه في القرآن ابتلى الله به هذه الأمة، ومنه الآيات التي فيها الكلام على التكفير، أو الآيات التي فيها الصفات والغيبيات ونحو ذلك، وبعض الأحكام فهذه متشابهة؛ بمعنى يشتبه علمها إلا على أهل العلم الراسخين، فيُنزلون كل أية منزلتها الصحيحة؛ يعني يجعلون لها معناها الذي يجعل القرآن مأتلفا غير مختلف.
فماذا نعمل؟ الواجب أنه إذا جاءنا شيء من الحجج من القرآن، ونحن لا نعلم معناه لا نجتهد في تفسيره على ما يعنّ لنا؛ بل نسأل فيه أهل العلم الراسخين لأنه بذلك السؤال نرجعه إلى المحكم ونخرج من الزيغ؛ لأن الله وصف الذين يتبعون المتشابه بأنهم أهل الزيغ ?فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ?[آل عمران:7]، أيضا السّنة فيها متشابه؛ لأن الله جل وعلا جعل من كلامه متشابها، فكذلك جعل السنة متشابه أحاديث ما نعرف معناها لو نأخذ معناها بمفردها لوقعنا في أمر منكر فجعل الله جل وعلا هذه الأمة مبتلاة في أن يكون هناك أحاديث مشتبهة لا يتّضح معناها إلا لأهل العلم «من قال لا إله إلا الله فقد حَرُم ماله ودمه» هل بكلمة لا إله إلا الهل يكتفي أم لا بد من الشهادة وتمام الشروط إلى آخر ذلك.
فإذن هناك أحاديث متشابهة يعني يشتبه معناها فيشتبه المعنى بردها إلى غيرها.
إذا كان كذلك فمن باب أولى أن يوجد المتشابه في كلام الصحابة رضوان الله عليهم أو في أفعالهم، وأن يوجد المتشابه في كلام العلماء وفي كتبهم وفي تصرفات بعض أهل العلم في التاريخ.
فإذن ليست الحجة قائمة بوجود نوع احتجاج لمن يذهب أيَّ مذهب من مذاهب الغلو؟ لا، الذي يكون حجة هو أن تكون الحجة صحيحة في نفسها محكمة وأن يكون قول العالم له دليله من الكتاب والسنة أو من إجماع أهل العلم أو من عقائد أهل السنة والجماعة.
أما أن يذهب المحتج فيحتج بقول عالم ويترك أقوال العلماء الآخرين، أو يحتج ما وجد في كتاب ويترك ما وجد ما وجد كتب علماء المسلمين المحققين، فهذا يحدث الغلو؛ لأن من أسباب ظهور الغلو الذهاب إلى المتشابه وترك المحكمات أو عدم العلم بالمتشابه والمحكمات.
إذا نظرنا اليوم وما قبله في ظهور أهل الغلو تجد أنهم يحتجون؛ هل الذي ظهر عنده غلو ليس عنده أي كتابة ولا أي دليل؟ لا، عنده كتابات وربما ألف كتابا أو أكثر وعنده نُقول؛ لكن ليس الحجة في وجود النُّقول، الحجة في أن تكون هذه النقول صحيحة يعلمها أهل العلم، أما وجود النقل من حيث هو فيوجد كثير من الشُّبهات من المشتبهات في الكتاب والسنة وفي أفعال بعض الصحابة وفي أفعال بعض التابعين وفي أفعال العلماء وأقوالهم وما هو موجود في الكتاب، وهذا ابتلاء عظيم إذا لم يُلحظ سبب ظهور الغلو.
فإذن الواجب على المسلم أنه إذا أوتي بشيء من المتشابهات التي لا يعلم أهل العلم يقولون بها، فلابد أن يردها إلى أهل العلم فيسلم لأنهم يبينون له المعنى، في وقت الصحابة ترد إلى الصحابة، وفي وقت التابعين ترد إلى علماء التابعين، وفي كل زمن يرد ما أشكل إلى علماء ذلك الزمن؛ لأن هذه الأمة يوجد فيها علماؤها؛ لأنه من القواعد المقررة أنه لا يجوز أن يخلو زمان من قائم لله بحجة؛ لأن معنى ذلك اندثار الدين وهذا ليس في الإمكان؛ لأنه لابد أن يكون هناك عالم راسخ في العلم يقوم بحجة الإسلام ويُرشد إليه ويدل عليه فيحتج له ويبرهن ويدلل عليه.
من أسباب ظهور الغلو أيضا ترك الرجوع –كما ذكرنا- للراسخين في العلم وهذا بينا معناه، إذا أشكل عليك شيء من الأوضاع وأحوال والأحكام والأحاديث وكلام العلماء أو ما هو موجود في الكتب، فلا تأخذ تدارسه أنت وصاحبك ثم تخرجون بآراء؛ بل لابد أن ترجعه إلى أهل العلم فيبينون لك المعنى، فإذا نصحوك فانتصح لأنهم أشفق هذه الأمة على الناس، ?كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ?[آل عمران:110].
من الأسباب أيضا -وهو سبب مهم- ظهور أوضاع وأحوال لا تُرضي من ذهب إلى الغلو، ففي عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسم المال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فلم يرض ذاك الرجل فقال: يا رسول الله اعدل. يعني ذلك الحال لم يرض ذاك الرجل، فجره عدم رضاه إلى الغلو.
كذلك ما حصل بعهد علي رضي الله عنه في ظهور الخوارج -كما ذكرنا- عدم رضاهم بحكم عليٍّ وبما حصل أداهم إلى الغلو.
ظهور أوضاع سياسية مختلفة أو ظهور تغير في الأحوال أو فتن يدعو أو سبب من أسباب الغلو.
فما الذي يجب هنا لدرأ هذا السبب لندرأ أن نتأثر بهذا السبب؟ بعض الناس يقول الغلو سببه فساد الأوضاع، وهذا ليس بصحيح مطلقا؛ بل ظهر الغلو في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أعدل من يعدل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وهو رسول الله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، ظهر الغلو بسبب أوضاع الصحابة بعضهم ببعض وعلي رضي الله عنه محق لما هذه إليه، فظهر غلو الخوارج لا بسبب فسادٍ في الصحابة ولكن بسبب فساد في فهمهم.
إذن تغير الأوضاع قد يكون صوابا، أو الحال والوضع الذي نشأ عنه الغلو قد في صواب، فنظرة هذا الذي غلا إليه لم تكن النظرة الصحيحة فغلا بسبب نظرته الخاطئة هذا قسم.
القسم الثاني تغيّر في الأوضاع وفي الأحوال بسبب ذنوب الناس، الناس خالفوا الشريعة، وظهرت أوضاع مخالفة للشريعة، فهذا الذي غَلا نظر إليها بغير النظرة الشرعية الصحيحة؛ فغَلا في الحكم عليها فأداه إلى الغلو.
إذن ننتبه غلى أنه إذا رأينا تغير في الأحوال والأوضاع وظهورا في الفتن، أو جاء شيء لا نعلم وجهته، فلابد أن نحذر؛ لأن هذا أحد أسباب ظهور في التاريخ كله، من عهد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بل وما قبله إلى زماننا هذا، إذا تغيرت الأحوال والأوضاع لابد يظهر نوع من أنواع الغلو؛ لأنه ليس كل أحد يرجع إلى الشريعة بل لابد أن يوجد عصاة؛ بل ويوجد خارجون على الشريعة.
فإذن ننتبه عند تغير الأحوال والأوضاع فقد يكون سبب الغلو تغير الأحوال والأوضاع، وليس دائما سبب الغلو فساد الأوضاع؛ بل تغير الشيء، قد يكون التغير صحيحا في نفسه لم يفقهه الذي غلا فغلا، أو قد يكون التغير ذنبا أو جرما أو كبيرة أو نحو ذلك فيجره إلى الغلو لأنه ما وضعه في الميزان الصحيح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو لأحكام الشريعة.
هل الذي غلا يريد عناد الشريعة يريد البعد عن الله جل وعلا؟ لا قد؛ بل الغالب أن يكون الذي غلا يريد زيادة في التعبد زيادة في القرب من الله جل وعلا، من أين أخذنا ذلك من قولنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في وصف الخوارج (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم) يعني أنهم عندهم زيادة في التعبد.
فالذين يغلون لا يدلّ على أنّهم عدم غلاة أنهم كثيرو التعبد؟ لا، قد يكون صالحا يعني في الظاهر من جهة كثرة العبادات وصيام النفل وملازمة المساجد والغير عن دين الله والأمر والنهي إلى آخره؛ ولكنه يكون على باطل؛ لأنه هو يريد التقرب ولكنه أراد التقرب بالغلو في دين الله.
مثل الخوارج قتلوا عليا رضي الله عنه، عبد الرحمن بن ملجم تقرب إلى الله بقتل أفضل رجل على الأرض في ذلك الزمان، ولما أتي به لقتل قال: قطعوني ولا تقتلوني مرة واحدة. لم؟ قال: حتى تطول مدة ذكري لله جل وعلا، وهو مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وهو من كلاب النار، ومع ذلك أنظر ذلك الشغف بالعبادة.
فإذن كونه يتعبد أو عليه مظاهر الصلاح أو نحو ذلك لا يعني أنه ليس بذي غلو؛ بل الذي يغلو يريد مزيدا من التقرب إلى الله جل وعلا؛ بل هناك خارجي آخر مدح هذا الذي قتل عليا بقوله
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا .......................
التقي من؟ يعني ذاك عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علي هذا صاحبه يمدحه بعد عقود من الزمن
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ عند ذي العرش رضوانا
إني لأذكـره حينا فاحسبـه أوفى الـبرية عند الله ميزانـا
بلغ بهم الحال إلى أنهم يعتقدون أن هذا الذي قتل علي أنه أفضل الناس في زمنه، وهذا والعياذ بالله منشأ من أسباب الضلال؛ أن يكون التقييم على الظاهر، صالح رجل هو صالح راعي صلاته هذا ليس التقييم، التقييم هل هو على السنة أم لا؟ هل هو على اعتقاد أهل السنة والجماعة أم لا؟ هل هو على طريقة السلف الصالح أم لا؟ هذا هو الميزان، أما الصلاح الظاهري ونحو ذلك فهذا يشترك فيه الغالي والوسط وهو بحق الغالي مذموم؛ لأنه ما أداه إلى الحق.
إذا تقرر هذا وتبين؛ فنذهب إلى مظاهر الغلو، ما مظاهر الغلو في الوقت المعاصر؟ وهي موجودة أيضا في تاريخ الأمة؛ يعني صورة الغلو، أحوال الغلو، مثّل لنا هذا الغلو؟ ما هي أمثلته وأحواله؟
نقول الغلو يكون في بابين عامين:
* الأول: في العقائد.
* والثاني: في العبادات.
فيما يتصل بالعقيدة الغلو أقسام:
فمنهم من غلا في حبه وتعظيمه ببعض بني آدم.
غلا بعضهم في الأنبياء والمرسلين، فجعلوا لهم بعض صفات الإلهية، غلا النصارى في عيسى، غلا اليهود في عزير، غلا بعض هذه الأمة في محمد بن عبد الله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
كيف غلوا في محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؟ قالوا إنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يملك أن يغيث من استغاث به بعد مماته، يملك أن يجير من استجار به بعد مماته، اذهب إليه فاستغفر يُغفر لك، أطلب منه غفران الذنوب يُغفر لك؛ لأنه لا يرد له طلب. (2)
جعلوا النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ له علوم مختصة بالله جل وعلا كما قال شاعرهم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
من جوده الدنيا، وضرتها يعني الآخرة، هذه كلها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن علومه عل اللوح والقلم يعني يعلم ما في اللوح المحفوظ، هذا غلو في وصفه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
بل بلغ بهم الغلو في المصطفى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أن قالوا القرآن في الحقيقة لا يناسب أن يكون معجزة للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وقالها أيضا البوصيري في مفهوم كلامه في نونيته، حيث ذكر بعض معجزات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:
لو ناسبت قدره آياته عظما أحيتهم حين يدعى دارس الرمم
يعني لا يناسبه شيء من الآيات التي فيها لا القرآن ولا شق القمر إلى آخره لو ناسبه شيء لناسبه شيء واحد وهو أنه حين تذكر اسمه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على ميت دارس الرمم قد صار رميما لحيي لك وصار يتحرك، هذا الذي يناسب قدره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أما غير ذلك فلا يناسبه، وقاله بعض الشراح لما ساق هذا الكلام وقال وهذا هو الواقع فإنه قدره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ التي أعطيها حتى القرآن المتلو، هذا نوع من الغلو.
أداهم هذا الغلو إلى أن يجعلوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعبد ويطلب منه ويُستغاث به له صفات الألوهية.
كذلك غلا طائفة في بعض الأشخاص في الأولياء والصالحين فجعلوا الأولياء والصالحين يذهب لهم وينذر لهم ويذبح لهم ويدعون ويستشفع بهم ويستغاث بهم إلى آخر مظاهر الشرك الأكبر، هذا من جراء الغلو فيهم، لم؟ قال هذا له مقام عظيم عند الله جل وعلا، فغلا يعني جاوز بالعبد الصالح الحد فجعل له بعض صفات الألوهية، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «لا تطروني كما أطرت اليهود والنصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله».
كذلك غلا طائفة في العلماء وجعلوا قول العالم مقدما على قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تقول لهم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول: لا أترك قول الإمام فلان، الإمام فلان ربما ما بلغه هذا الحديث، والحجة واضحة ما بلغته السنة، فيقول لا أتركه.
ووجد في بعض الكتب أن المؤلف قال: وقال إمامنا كذا وفيه صحيح مسلم كذا اللهم أعلم أيهما الصواب.
هذا غلو جعلوا العالم له التشريع والعلماء في هذا الدين دين الإسلام إنما هم وسائط لإفهامنا الكتاب والسنة وطريقة سلف هذه الأمة، هذه وظيفة العلماء، أما العالم لا يستقل، يشرع الشيء من عنده لم يقم له أساس إلا في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها، فيجتهد بإلحاق هذه المسألة المجتهَد فيها بأصولها بالأدلة في أول القواعد إلى آخر ذلك مما هو معلوم في أبواب الاجتهاد من أصول الفقه.
كذلك الغلو في الولاة والأمراء مثل ما بوب الشيخ رحمه الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام هذه الدعوة بقوله (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله).
الوالي يطاع في غير المعصية، أما إذا أمر بمعصية فلا يطاع، فإذا تُجُوِّز به الحد فجعل يطاع في كل شيء ويجعل أمره صراطه مستقيما هذا نوع من أنواع الغلو في حقه، فحقه أن يطاع في غير معصية الله، وأما إن جعل يطاع في الطاعة وفي العصية وفي كل شيء هذا كان المطيع له قد تجاوز الحد به.
هذه أمثلة في طاعة الأشخاص.
أيضا من مظاهر الغلو الموجودة اليوم وما قبله: الغلو في مسائل التكفير.
مثلا الغلو في الحكم بغير ما أنزل الله، الحكم بغير ما أنزل الله قال الله جل وعلا في شأن الحاكم ?وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?[المائدة:44]، وقد قال لنا علماء السنة من الصحابة فمن بعدهم: إن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله كفره كفر أصغر، إلا إذا اعتقد أن حكمه مساو لحكم الله، أو أن حكمه بغير ما أنزل الله جائز، أو أنه أفضل، ونحو ذلك.
أما إذا حكم وهو يقول حكم الله أفضل لكن غلبتي شهوتي أو هكذا الزمن أو نحو ذلك، وإلا فإنه لا يجوز أن أفعل ذلك، فلا يكفّر الحاكم بغير ما أنزل إذا حكم في قضية وأشباه ذلك.
فهناك من جاوز الحد فقال: يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله مطلقا ما نستفصل منه ولا نستفسر، ولا يجوز لنا أن نقول له كذا أو ربما كان كذا؛ بل إذا حكم فيكفر وجعلوا الآية في الكفر الأكبر، ونصوص الصحابة واضحة كابن عباس وابن مسعود وهي موجودة في تفسير ابن جرير وفي غيرهما.
المتحاكم، يقول هؤلاء الذين في البلاد تحكم بغير ما أنزل الله، الذين يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله كفّار، حلال الدم لم؟ قال: لأنه تحاكم إلى غير ما أنزل الله. هذا علو ومجاوزة في الحد؛ لأن الله جل وعلا جعل لنا الحد الذي يكفر به المتحاكم ابتغاء حكم غير الله والرضا به وإرادته واختياره، لهذه الشروط، قال جل وعلا ?يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ?[النساء:60]، فقال ?يُرِيدُونَ? فجعل الإرادة شرطا، فإذا تحاكم وهو كاره أو وهو مضطر أو وهو مكره أو ما أشبه ذلك فهذا لا يكفر المتحاكم؛ لأن الآية نصت على الإرادة، والإرادة هنا قيد ?يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ?.
فيه مسائل كثيرة تتعلق بالحكم والتحاكم إلى آخره.
فإذن مسائل الحكم بغير ما أنزل الله يجب درءًا للغلو فيها أن ترد إلى أهل العلم لأنها هي ظاهرة هذا الزمن لأنهم يكفرون بأيّ صورة من صور الحكم أو التحاكم وهذه فيها تفاصيل ولها أحوال ولها شروط فلابد من ردها إلى أهل العلم حتى نكون جاوزنا الحد فيما أنزل الله جل وعلا.
من مظاهر الغلو التي شاعت في هذا الزمن أيضا عند طائفة التكفير بالقاعدة: من شك في كفر الكافر فهو كافر مثله، يأتي يقول هو فلان كافر لأنه تحاكم ومسألة التحاكم بها مثل ما ذكرنا لها شروطا وقيود، فيجعلها أصلا ثم يقول من لم يكفر فلانا فإنه كافر مثله؛ لأن القاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر مثله، ومن شك في كفر الكفر فهو كافر مثله.
والقاعدة صحيحة؛ لكن الفهم فهم غلو، وشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله نص في الفتاوى بقوله: وحيث قال العلماء من لم يكفر الكافر فهو كافر مثله أو من شك في كفر الكافر فهو كافر مثله، فمرادهم من نص الله ورسوله على كفره؛ لأن في عدم تكفيره تكذيبا لله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتكفير الله ورسوله لذلك المعيّن.
ومن مظاهر الغلو في هذا الزمن جعل المجتمعات الإسلامية جاهلية بعموم، ويقولون: إن المجتمعات اليوم ليست بإسلامية وإنما هي جاهلية، ويترتب على ذلك أنّ الفرد في داخل هذه المجتمعات الأصل فيه أن يكون جاهليا، فيُتوقف في شأنه حتى ولو كان ظاهره الإسلام ويصلي، يُتوقف في شأنه حتى يعلم أنه على اعتقاد صحيح يوافق اعتقاد أولئك الغلاة، فلا يحكمون الإسلام من أظهر الإسلام، وإنما يقولون الأصل في الناس الكفر والجاهلية، وهذا والعياذ بالله غلط وباطل؛ لأنه يصح أن نقول الأصل في الناس اليوم الجهل بالإسلام والأصل فيمن أظهر الإسلام أنه مسلم فلا ينقل عن هذا الأصل إلا بشيء بيّن واضح.
أما الحكم بالعموم هكذا، فإنه من مظاهر الغلو لأنه لا برهان عليه، والجاهلية العامة لا تعود؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن هذه الأمة لا تزال منها طائفة على الحق ظاهرة ببيان حكم الله وحكم رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
نتج من ذلك أنهم يعتبرون الناس اليوم والتعامل معهم كما يُتعامل مع المشركين في العهد المكي مثلا، ويتعامل الرجل المرأة مع الوالد والوالدة كما يتعامل مع الوالد المشرك أو المشركة في العهد المكي، ويجعلون الآن العهد عهدا مكيا، وأما العهد المدني يعني حيث تكون الأحكام ويكون المجتمع مجتمعا مسلما فلم يأتِ بعد على حد زعمهم.
وهذا كما ترى غلو في مسألة التكفير، غلو جاء من جهة أنهم جعلوا لوازم للأشياء فطبقوها حتى خرجوا بأن المجتمعات جاهلية، ومن المعلوم أن هناك قواعد عند أهل العلم تضبط حكم المجتمع، حكم الدار، حكم الفرد فيما إذا أظهر، حكم غير المسلم في دار المسلمين إلى آخره هذه كلها أحكام.
ينتج من هذه المظاهر أنه يُستباح الدم ويُستباح المال، وقد رأيتم فيما سبق وسمعتم في هذه البلاد وفي غيرها مظاهر من مظاهر استباحة الدماء واستباحة الأموال وهي راجعة إلى مسألة الغلو في التكفير، مسألة الغلو في التكفير باللوازم وفي التكفير في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله وأشباه ذلك.
ولهذا يجب على كل أحد أن يحرص على أن يكون علمه بهذه المسائل علما سنيا واضحا سلفيا على طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم هذا أولا.
والثاني من كانت عنده شبهة فليذهب إلى من يحاوره فيها ويجلو عنه الشبهة لأنه لابد أن يكون ثم قائم لله بالحجة، أما أن يكون عامة علماء المسلمين على الضلالة ويكون هناك من يأتي ويكفرهم ويكون أنه على الحق، فهذا لاشك أنه باطل؛ لأن ما بُني على باطل فهو باطل.
إذا تبين هذا، فينبغي لكل من عرف من عنده مظهر من مظاهر الغلو أن يسعى في مناصحته، أو أن يدل أهل العلم عليه حتى يحاوروه ويردوه إلى الحق ويناصحوه ويقيموا عليه الحجة ويبينوا له المحجة.
هذا يتعلق بالقسم الأول وهو ما يتصل بالغلو في العقائد أو ما يتصل بالعقيدة.
القسم الثاني الغلو في العبادات، وقد ذكرنا لكم أمثلة على ذلك من جهة الغلو في الأذكار ومجاوزة الحد فيها بالذهاب إلى البدع والمحدثات، أو الغلو في الصلوات أو أحداث أنواع من التعبدات والطقوس وأشباه ذلك مما لم يأتِ بالسنة، أو أنواع الغلو في المحبة وإحداث الاحتفالات وأشباه ذلك؛ البدعية، وهذا كله داخل في أنواع الغلو التي سببها مجاوزة الحد الذي أذن به؛ يعني مجاوزة المشروع، ومجاوزة المشروع تؤدي إلى غير المشروع.
أسأل الله جل وعلا أن يلهمني وإياكم الرشد والسداد، وهذه المحاضرات في هذا المسجد ولله الحمد كثير منها في إرشاد أهل الجفاء ومنها، ما فيه إرشاد لأهل الغلو، ومنها ما فيه تكثيف أهل الوسط وتثبيت لهم وبيان الحق، وهي ولله الحمد منقسمة لكل فئة وما يصلح لها، ولهذا الاهتمام بهذه المحاضرات التي تقام في هذا الجامع والمبارك وبالندوات وبالتعليق عليها من أصحاب السماحة المشايخ، هذا مما يجعل صاحب الدين في ازدياد من الخير وفي بصيرة من أمره.
أسال الله لي ولكم في القول والسداد في القول والعمل، وأن يجنبنا [مضلات] الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يعيذنا من الزيغ وأن يجنبنا كل ما فيه خروج عن الهداية والصراط المستقيم.
اللهم احفظنا بالإسلام اللهم احفظ ولاة أمورنا ودُلهم على الرشاد وباعد بينهم وبين سبل الفساد، وألهمهم اللهم الرشد والسداد، واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى، اللهم وفق علماءنا إلى ما فيه مزيد بيان للحق وإيضاح للحجة والمحجة، واجعلهم من المجاهدين في سبيلك الذين تقبلت سرهم وعلانيتهم إنك على كل شيء قدير، وأستغفر لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم أيها الأحبة أنتم على موعد مع تعليق مبارك من صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وبتعليقه على محاضرة صاحب الفضية الشيخ صالح آل الشيخ التي كانت بعنوان التحذير من الغلو في الدين فليتفضل جزاه الله خيرا.
التعليق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجلين، نبينا محمد صلّ ربي عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوك يا أرحم الراحمين، وبعد:
فلقد اجتمعنا جميعا إلى المحاضرة القيمة التي بعنوانها التحذير من الغلو في الدين، والتي قام بإلقائها معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز نائب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد.
الواقع أن هذه المحاضرة القيمة عالجت قضايا الغلو؛ أصل الغلو وأساسه، منشأه، أسبابه، أسباب الوقاية منه، فأتى بما لا حاجة إلى المزيد عليه، ولقد وفّى المقام حقه وتحدّث حديثا صحيحا صريحا مبنيا على الأدلة من الكتاب والسنة، ووفقنا وإياه لكل خير.
الله جل وعلا بعث محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالهدى ودين الحق، وجعل شريعته شريعة يسر، قال الله جل وعلا لما فرض الصيام وبيّن حكم المسافر وغيره ?يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ?[البقرة:185]، فأخبرنا أنه يريد بنا التيسير علينا ولا يريد ما فيه عسر علينا، وقال جل وعلا ?وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ?[الحج:78]، وقال جل وعلا في حق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ?وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ?[الأعراف:158]، فمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وضع به عنا الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا إما عقوبة لهم وإما هكذا شريعتهم، فالله جل وعلا وضع بمحمد عنا الآصار والأغلال التي فكانت على من قبلنا فصارت شريعتنا يسر وسهولة، يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» ويقول «إنما بعثت مبشرين ولم تبعثوا معسرين» ويقول «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا».
إذا تأمل المسلم شريعة الإسلام وجدها بعيدة عن مظاهر الغلو ووجد مظهرها وظهر اليسر في كل أحوالها سواء في معتقداتها أو في عباداتها؛ ولكن هذا بمن وفقه الله وبصر قلبه وشرح صدره للحق فعرف الحق على حقيقته والباطل على حقيقته ولم تلتبس أمامه الأشياء.
أولا لننظر إلى قضية الإيمان فأهل السنة والجماعة يقولون الإيمان أقوال وأعمال؛ قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح يزيد وينقص، يزيد الإيمان وينقص، ?فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ]?[التوبة:124]، ?وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى?[مريم:76]، فالإيمان عندهم يزيد وينقص، والناس متفاوتون في هذا الإيمان قوة وضعفا ويرى أهل السنة أيضا أن المؤمن أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وفسق، إيمان طاعة ومعصية، صلاح وفساد، فهو من جهة بعض الأشياء فهو مؤمن ومن جهة الإخلال ببعض واجبات الإيمان قد يفسق، ففسقه ومعصيته لا تسلب عنه مسمى الإيمان، فإن الله وصف المؤمنين بالإيمان مع موجود بعض المخالفات، قال تعالى ?فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ?[البقرة:178]، فجعله أخ، قال ?وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا? فجعلهم مؤمنين مع وقوع هذا العمل منهم، يدل على أن العبد يوجد فيه طاعة ومعصية وأنه يكون مؤمنا ناقص الإيمان ولا يرفع عنه مسمى الإيمان إلا الكفر والعياذ بالله.
جاءت الخوارج الذين غلو في دين الله فقالوا: الإيمان جزء واحد، إما أن تع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عذرا رسول الله
Admin
عذرا رسول الله

عدد الرسائل :
3866

تاريخ التسجيل :
09/07/2008


التحذيــــر من الغلوّ في الدين Empty
مُساهمةموضوع: رد: التحذيــــر من الغلوّ في الدين   التحذيــــر من الغلوّ في الدين I_icon_minitimeالجمعة 4 ديسمبر 2009 - 17:56

أحسن الله إليك و إلى والديك,و بارك الله في علم مشايخنا الأفاضل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم الحارث.

أم الحارث.

عدد الرسائل :
414

تاريخ التسجيل :
14/05/2009


التحذيــــر من الغلوّ في الدين Empty
مُساهمةموضوع: رد: التحذيــــر من الغلوّ في الدين   التحذيــــر من الغلوّ في الدين I_icon_minitimeالجمعة 4 ديسمبر 2009 - 22:06

احسن الله اليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

التحذيــــر من الغلوّ في الدين

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» الدين والسنن الكونية لشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله
» الدين والسنن الكونية لشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله الجزء التاني
» ما الفرق بين قوله تعالى : (ويكون الدين لله) وقوله عز وجل :(ويكون الدين كله لله)
» رأي الدين
» فضل التفقه في الدين

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منــــتديات تبسة الإســـــلامية :: العــــــلوم الشرعيـــــة :: العــقيــدة الصحيحة-